تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك . فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني ، فذهبا يمشيان فرقد موسى عليه السلام فاضطرب الحوت ووقع في البحر ، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال : وأنى بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال : يا موسى أنا على علم علمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمكه اللّه لا أعلمه أنا . فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر في الماء فقال الخضر : ما ينقص علمي وعلمك من علم اللّه مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر . قلت : وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم اللّه غير متناه ، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلا . ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار اللّه :
لا أَبْرَحُ
بمعنى لا أزال ، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله :
حَتَّى أَبْلُغَ
غاية مضروبة فلا بد لها من ذي غاية . فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ ، وجوز أن يكون المعنى لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن
حَتَّى أَبْلُغَ
هو الخبر ، وحذف المضاف وهو السير وأقيم المضاف إليه - وهو ياء المتكلم - مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وجوز أيضا أن يكون لا أبرح ، بمعنى لا أزول من برح المكان ، والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ
مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة في تفسير قوله :
الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
[ الآية : 164 ] . وقيل : أراد طنجة ، وقيل إفريقية . ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر لأنهما بحر العلم ، وهذا مع غرابته مستبشع جدا لأن البحرين إذا كان هو موسى عليه السلام فكيف يصح أن يقول :
حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
إذ يؤول حاصل المعنى إلى قولنا حتى أبلغ مكانا يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا
أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
أسير زمانا طويلا . قال جار اللّه : الحقب بالضم ثمانون سنة . ويقال : أكثر من ذلك . وقيل : إنه تعالى أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى : لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحرا واحدا أو أمضي دهرا طويلا حتى أجد هذا العالم ، وهذا إخبار من موسى عليه السلام بأنه وطن تحمل التعب الشديد إلى أن يلقاه ، وفيه تنبيه على شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر ، ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال .
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما
قال جمهور المفسرين : الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه لقاء الخضر . ولا بد للبين من فائدة ، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما امتد من البحرين طولا . والإضافة بمعنى « في » أي مجمعا في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين ، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب تعالى