فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد صلى اللّه عليه وسلم حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام . وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم ، وإن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يكن قاصرا عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك ، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا : إذا ادعى الولي على إنسان درهما فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركا
لقوله : « البينة على المدعي » « 1 » .
وإن طالبه كان عبثا لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن . والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به . قالوا : لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم ، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق العادة وفقا لها .
وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر ، واتفاق الكرامة للولي أيضا على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتادا ؟ ! في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه اللّه كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكرا وكيدا وضلالا وإملاء ، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة ، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به ، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعا للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقا على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم ، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع ، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذلّله وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه . قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] فقال : علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء ، فإن بقي فهو غير مرفوع .
واختلف في أن الولي هل يعرف كونه وليا ؟ . قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ يونس : 62 ] والأمن ينافي اعتقاد قهارية اللّه تعالى ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط اللّه . وكيف يأمن الولي وقد وصف اللّه عباده المخلصين بقوله :
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
[ الأنبياء : 90 ] وأيضا إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية ، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي . فقد يكون
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الرهن باب 6 . الترمذي في كتاب الأحكام باب 12 . ابن ماجة في كتاب الأحكام باب 7 .