تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
ثم قال : إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير اللّه لما سلط عليه شيء . و روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم اللّه الأعظم فمشوا على الماء . وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها . وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد وحبيب الرب لقوله
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره اللّه . فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد . وأيضا لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن اللّه تعالى ليس أهلا له فذلك قدح في قدرته ، وإما لأن المؤمن ليس أهلا له وهو بعيد لأن معرفة اللّه والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها ، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء : إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده . قلت : وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه ، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه : واللّه ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية . حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة ، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة . وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية . وأيضا النبي يدعي المعجزة ويقطع بها . والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها ، وأيضا أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة . جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية ، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما ، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة ، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا : قال صلى اللّه عليه وسلم حكاية عن اللّه سبحانه : « لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم » « 1 » . لكن المتقرب إلى اللّه بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات ، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك . وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعا . قالوا : قال تعالى :
وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ
[ النحل : 7 ]
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب 38 .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 418 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات