تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين : أحدهما كون سكان الأرض ملائكة ، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء ، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة . وجوز في الكشاف أن يكون قوله :
بَشَراً
و
مَلَكاً
منصوبين على الحال من
رَسُولًا
بل زعم أن المعنى له أجوب ، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفا بحالة البشرية لا الملكية ، وإذا كان أحد الصنفين المتقابلين حالا لزم أن يكون الآخر كذلك . ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلا :
قُلْ كَفى بِاللَّهِ
الآية . وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من اللّه تعالى له على الصدق . فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها ؟ علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك . ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ
الآية . وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر « الأعراف » وغيره . وقوله :
فَهُوَ الْمُهْتَدِ
حمل على اللفظ وقوله :
فَلَنْ تَجِدَ
حمل على المعنى . والخطاب في
فَلَنْ تَجِدَ
إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب . والأولياء الأنصار ، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله :
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
[ القمر : 48 ] واما بمعنى المشي عليها كما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن ذلك فقال : « إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم » « 1 » . وقيل لابن عباس : قد أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال :
رَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ
دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
سَمِعُوا لَها
الجمع بين ذاك تغيظا وزفيرا فكيف وبين قوله :
عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
؟ فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم ، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم ، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم . وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله اللّه لأوليائه ، بكم عن مخاطبة اللّه ومخاطبة الملائكة المقربين ، صم عن ثناء اللّه على أوليائه ، وقال مقاتل : هذه الأحوال بعد قوله تعالى لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون : 108 ] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار . وإنما جعلوا مئوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به
كُلَّما خَبَتْ
أي سكن لهبها .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في تفسيره سورة 25 باب 1 . مسلم في كتاب المنافقين حديث 54 . الترمذي في كتاب التفسير سورة 17 باب 12 . أحمد في مسنده ( 2 / 354 ، 363 ) .