الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار . ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت : يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك ، وتقول ملائكة النهار : ربنا لقينا عبادك وهم يصلون . فيقول اللّه لملائكته : اشهدوا فإني قد غفرت لهم . والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد . ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار ، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدئ بها وقت التنوير . قال أهل التحقيق : إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيرة الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة ، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق ، فيزداد بصيرة وإيقانا ومعرفة وإيمانا ، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة . وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها ، فيزداد كل منهم نورية وبهاء . فيحتمل أن يكون قوله :
مَشْهُوداً
إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة . ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية ، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس .
ثم حث على قيام الليل فقال :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
قال أبو عبيدة وابن الأعرابي : هذا من الأضداد لأنه يقال : هجد الرجل إذا نام وهجد أيضا إذا صلى من الليل ، ويوسط الأزهري فقال : الهجود في الأصل هو النوم بالليل ، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه « تأثم » « وتحرج » إذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه . فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه . وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجدا . وربما يقال : سمي تهجدا لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي ، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولداود كما
جاء في الحديث : « أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه » « 1 »
قال جار اللّه : معنى
وَمِنَ اللَّيْلِ
وعليك بعض الليل
فَتَهَجَّدْ بِهِ
وقال في التفسير الكبير : تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن . ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول « الأنفال » . ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب الصيام باب 31 .