تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
الَّذِينَ صَبَرُوا
على ما التزموه من شرائع الإسلام
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب ، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
[ الأنعام : 160 ] . ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً
ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله :
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
تأكيدا وإزالة لوهم التخصيص ، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم . ثم جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح منتجا للثواب حيث قال :
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء . واختلف في الحياة الطيبة فقيل : هي في الجنة . عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة ، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
[ الانشقاق : 6 ] . بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باق إلى أن يصل إلى ربه ، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال . وقال السدي : إن هذه الحياة في القبر . والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل : هو الرزق الحلال . وقيل : عبادة اللّه مع أكل الحلال . وقيل : القناعة أو رزق يوم كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدعو : « اللّهم اجعل رزق آل محمد كفافا » « 1 » . قال المحققون : وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسرا فذاك ، وإن كان معسرا فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه . وأما الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبدا ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه ، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها . وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللّهم اجعلنا من أهلها . ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ] يدل على أن العمل الخير مطلقا يفيد أثرا مطلقا فلا منافاة بينهما . ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
أي أردت قراءته إطلاقا لاسم المسبب على السبب . وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب .
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب الزهد باب : 8 . أحمد في مسنده ( 5 / 77 ) بلفظ « قوتا » بلد « كفافا » .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 303 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات