تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لاستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب ، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم ، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود ، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلا منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه . فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل . وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه ، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر . ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعا : الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية . وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية ، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة أو النهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة ، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق ، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرئاسة والتقدم ممن ليس أهلا لذلك ، وأخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية ، وأوسطها الغضبية ، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ سبحانه بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي ، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله :
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة . قال الكعبي : في الآية دلالة على أنه تعالى لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم ؟ وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا . واعلم أنه لا يلزم من إرادة اللّه تذكر العبد - والتذكر من فعل اللّه بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب اللّه منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال . فمعنى
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر . ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ
خصصه جار اللّه بالبيعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : 10 ] . وقال الأصم : المراد منه الجهاد وما فرض اللّه في الأموال من حق الشرائع . وقيل : هو