تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
قال جار اللّه : يجوز أن يكون الخطاب في قوله :
وَما بِكُمْ
عاما ، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و
مِنْكُمْ
للبيان لا للتبعيض كأنه قال : فإذا فريق كافر وهم أنتم ، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله :
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
[ لقمان : 32 ] أقول : وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقا منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى اللّه ، وفريقا يتغير عن حاله فيشرك باللّه ، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال :
لِيَكْفُرُوا
كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة ، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران . والمراد بقوله :
بِما آتَيْناهُمْ
كشف الضر وإزالة المكروه ، أو القرآن والشرائع ، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم اللّه بها على الإنسان . ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظرا إلى أوّل الكلام
فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
عاقبة كفركم ومثله في « الروم » كما سيجيء ، وأما في « العنكبوت » فإنه قال :
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا
[ الآية : 66 ] بالعطف على القياس . ثم حكى نوعا آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ
الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور ، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز ، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق ، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل : ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعا ولا في الإعراض عنه ضرا . وقال مجاهد : يعلمون أن اللّه خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم
نَصِيباً
أو ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها ، أو السبب في صيرورتها معبودة . والمراد بجعل النصيب ما مر في « الأنعام » في قوله :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً
[ الأنعام : 136 ] وقيل : البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي . عن الحسن : وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان ، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب . ثم أوعدهم اللّه بقوله :
تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ
على اللّه من أن له شريكا وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشيء أصلا ، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي ، أو قولهم أن لغير اللّه تأثيرا في هذا العالم . ومتى يكون هذا السؤال ؟ قيل : عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب ، وقيل : في القبر . والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الحجر : 92 ] في الأمم عامة .