خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها ، ولم يجلس مجلسا إلا زاد فيه . واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز .
وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة للّه تعالى موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك ، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة . وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات ، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعبا وعناء .
قالوا : وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية . ثم زعموا أن اللّه تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها لقوله
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
[ فاطر : 24 ] واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك . وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول واللّه تعالى أعلم بحقيقة الحال .
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« من » مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئا قط . وقيل : للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته . والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل . وقيل : القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان ، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع . وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل ، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى . وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
[ الأعراف : 31 ] للطب . وقوله
وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ
[ الأنعام : 62 ] للحساب . وكقوله
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف : 199 ] للأخلاق . وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] وكقوله
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
[ النساء : 115 ] وكقوله :
فَاعْتَبِرُوا
[ الحشر : 2 ] وقيل : إن القرآن واف ببيان جميع الأحكام ، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل ، وكل حكم لم يكن مذكورا في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفا أو يكون باقيا على أصل الإباحة واللّه تعالى أعلم . أما قوله
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
فللعقلاء فيه قولان : الأوّل قول الأشاعرة إنه تعالى يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية . الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال