تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
يقال : إن الماء أيضا من جملة الأرض لأنهما جميعا ككرة واحدة . قال علماء المعاني : إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بأنه يطير بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين ، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فيتخصصا ، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
وقد يقول الرجل لعبده طر في حاجتي والمراد الإسراع . قال الحماسي : طاروا إليه زرافات ووحدانا وقيل : ذكر
يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة ، فإن المراد ذكر من هو أدون حالا . وقيل : إن الوصف للتأكيد كقولهم : نعجة أنثى . وكما يقال : مشيت إليه برجلي . وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر ، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع . قال الفراء : كل صنف من البهائم أمة . وفي الحديث « لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها » « 1 » . ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر ؟ نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال : يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ]
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النور : 41 ] وعن أبي الدرداء : أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق . ومعرفة الذكر والأنثى . وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين . وقيل : وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض . وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه . وقيل : هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة . دليله قوله عقيبه
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
. وقيل : هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث « يقتص للجماء من القرناء » « 2 » . ولكن قوله بعد ذلك
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
يصير كالمكرر . وعن سفيان بن عيينة : ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم . فمنهم من يقدم إقدام الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاوس ، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه ، وكذلك نجد من الآدميين من يسمع
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في كتاب الأضاحي باب 21 . الترمذي في كتاب الصيد باب 16 ، 17 . النسائي في كتاب الصيد باب 10 . ابن ماجة في كتاب الصيد باب 2 . أحمد في مسنده ( 4 / 85 ، 86 ) ، ( 5 / 54 ) . ( 2 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 72 ) .