تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
فيه ، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه ، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا وقدرته عجزا وإرادته عبثا وإشهاده باطلا . الحجة الثانية
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
وإنما قال :
ثُمَّ يُعِيدُهُ
مع أن الخصم لا يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلائل الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك . وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في الجواب بقوله
قُلِ اللَّهُ
الآية . تنبيها على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم المكابر ، فكأنه قيل : تكلم عنهم إذ لا يدعهم لجاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق . وقوله :
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
كقوله :
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
وقد مر في « المائدة » . الحجة الثالثة
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي
الآية . الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أوّلا ثم بالهداية عادة مطردة في القرآن ، فحكى عن الخليل صلى اللّه عليه وسلم
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
[ الشعراء : 78 ] وعن موسى
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه : 5 ] وأمر محمدا صلى اللّه عليه وسلم
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
[ الأعلى : 1 - 3 ] والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق سبحانه إذ الطرق المنحرفة كثيرة والظنون والأغاليط غير محصورة ، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه وهدايته ، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلا عن الأصنام التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة الثالثة . وقال الزجاج : يقال : هديت للحق وإلى الحق بمعنى ، فجمع بين العبارتين . ويقال : هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله :
أَمَّنْ لا يَهِدِّي
وسائر القراءات أصلها « يهتدي » فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين ، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها . قيل : هذه الشركاء جمادات فكيف قال في حقها
إِلَّا أَنْ يُهْدى
وأجيب بوجوه منها : أن المراد في الآية رؤساؤهم وأشرافهم كقوله :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً
[ التوبة : 31 ] والمراد أن اللّه سبحانه هو الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من الدلائل العقلية ، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم اللّه . ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم اللّه تعالى بصفة من يعقل كقوله :
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ
[ فاطر : 14 ] ومنها أن ذلك بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي غيرها إلا أن تهدى . ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة