بسهولة ، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدئ ، فإن الإنسان إذا آمن باللّه فقد أشرق روحه بنور المعرفة ، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا ، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة ، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية . وفي قوله :
يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ
دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق . ومعنى :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم .
دَعْواهُمْ فِيها
قال بعض المفسرين : أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله : اللهم إياك نعبد . وقيل :
الدعاء العبادة كقوله :
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ مريم : 48 ] وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجا بذكر اللّه . وقيل :
الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه اللّه من المعايب والإقرار له بالإلهية . قال القفال : أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما . وقيل : أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى . وقيل : أي تمنيهم كقوله :
وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ
[ يس : 57 ] أي ما يتمنونه .
وتقول العرب : ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح اللّه وتقديسه ، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون :
يا آل فلان فأخبر اللّه تعالى عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر اللّه وسكونهم بتحميده
وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
أي بعضهم يحيي بعضا بالسلام . وقيل : هي تحية اللّه أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ
هي « أن » المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد
لِلَّهِ
على أن الضمير للشأن . قال أهل الظاهر من المفسرين : في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله :
سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ
علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه . قال ابن جريج : ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا :
سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ
فيأتيهم الملك بذلك المشتهى ، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
وقال القاضي : إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد . وقيل : ألهم اللّه بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به