المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات . ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائما في الترقي من حين كونه جنينا في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا ، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميرا نافذ الحكم على الخلق أو عالما مشرفا على حقائق الأشياء ، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام . ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقا فقد نجونا وهلك المنكر ، وإن كان باطلا لم يضرنا هذا الاعتقاد ، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات . ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء . ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان ؟ ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول ؟ ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر ، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملا يكذبون عليه ويجورون ، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر ، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء .
وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال اللّه تعالى برعاية المصالح فإنهم يقولون :
المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزا فالمرة الثانية أيضا جائزة . ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو ، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني . أما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شرا من هذه فالتبديل سفه ، وإن كانت مثلها فعبث ، وإن كانت خيرا منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولا ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه ، أو يقال إنه ما كان قادرا ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم . والجواب أن كلا من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 559
مساهمون: حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
ص٥٥٩