تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
وعد اللّه أي وعد اللّه وعدا بدء الخلق ثم إعادته ، ويجوز أن يكون مرفوعا بما نصب حقا أي حق حقا بدء الخلق . ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
قال المفسرون : في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي . وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله :
فَاعْبُدُوهُ
ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام . وقوله :
بِالْقِسْطِ
أي بالعدل متعلق ب
لِيَجْزِيَ
أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحا وهذا وجه حسن لطباق قوله :
بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
وفي قوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر . والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره . قالت الأشاعرة : في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة . وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم وردّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم ؟ واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين : الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين ، والثاني طريق من يقول لا يجب على اللّه شيء أصلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها : أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولا وقدرا فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات ، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك . هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات ، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون اللّه تعالى كاذبا في قوله :
لِيَجْزِيَ
إلخ . فإن قيل : لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع اللّه في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد ؟ ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على اللّه ، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب ؟ سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام ؟ فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية ، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال ، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض ، وأخذ
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 557 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات