تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
فجازاهم اللّه تعالى بقوله :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق اللّه وأنكدهم ، دعا به عليهم تعليما لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح : 29 ] وكما علمهم الدعاء على المنافقين في قوله :
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] وعلى أبي لهب في قوله :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
[ المسد : 1 ] ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة أو إخبارا . قال الحسن : يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز . وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره .
وَلُعِنُوا بِما قالُوا
قال الحسن : عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية ، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوبا بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين ، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال : أين هذه الآية يعني قوله :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا
فأروه إياها فمحاها ، فلم يمض أسبوع إلّا وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله . ثم إنه سبحانه ردّ على اليهود بقوله :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة . يقال : لفلان عندي يد أشكرها له . وعلى القوة مثل :
أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ
[ ص : 45 ] فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا . والمعنى سلب كمال القدرة . وعلى الملك تقول : هذا بيد فلان أي ملكه قال تعالى :
بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
[ البقرة : 237 ] وقد يراد به شدة العناية قال :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] ويقال : يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئا . ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه تعالى محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافا للمجسمة ، وأما سائر المعاني فلا بأس بها . وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند اللّه ثم تفويض معرفتها إلى اللّه . وقد جاء في بعض أقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[ الفتح : 10 ] . وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية ، وبإثبات الأيدي أخرى :
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
[ يس : 71 ] ووجه التوحيد والجمع ظاهر . وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم اللّه ، أو