المثمرة والزروع المغلة ، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض . ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقا أو تحتا أي لأكلوا أكلا كثيرا متصلا ، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم . والحاصل أنه سبحانه وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها . ثم فصل حالهم فقال :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ
طائفة متوسطة في الغلو والتقصير ، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصدا له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيرا يمينا وشمالا ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان : أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولا في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة ، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ
فيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافا متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل : هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم .
ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وكرم اللّه وجهه يوم غدير خم ، فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده وقال : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . فلقيه عمر وقال : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي .
وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليها فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال : يا محمد ، من يمنعك مني ؟
فقال : اللّه . فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
وقيل : لما نزلت آية التخيير :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ
[ الأحزاب : 28 ] فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا نزلت
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
وقيل : نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش .
وقيل : لما نزل
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الأنعام : 108 ] سكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن عيب آلهتهم فنزلت .
أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها .
وقيل : إنه صلى اللّه عليه وسلم لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع . قال : هل بلغت ؟ قالوا : نعم . فقال صلى اللّه عليه وسلم : اللهم اشهد فنزلت .
وقيل : نزلت في قصة