الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيرا في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم . ويحتمل أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلّا الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم ، ومن هنا قال الحسن في تفسيره : بفسقكم نقمتم ذلك علينا . ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف . وإنما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضا بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرئاسة والمال والتقرب إلى الملوك . والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول ، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك .
قال ابن عباس : أتى نفر من اليهود إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ؟ فقال : أؤمن باللّه
وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ
[ البقرة : 136 ] إلى قوله
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
[ البقرة : 136 ]
فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : واللّه ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم ، فأنزل اللّه تعالى :
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ
يعني المتقدم وهو الإيمان ، ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه اللّه و
مَثُوبَةً
نصب على التمييز من
شَرٌّ
وهي من المصادر التي جاءت على « مفعول » كالميسور والمجلود ومثلها المشورة ، وقرئ مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة .
واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] وقد أخرج الكلام هاهنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلّا فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر ، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم : هب أن الأمر كذلك ولكن لعن اللّه وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك . قال المفسرون : عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام . ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير ، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون : يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم . أما قوله :
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعا من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلّا قراءة حمزة ، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلّا أنه بناء مبالغة كقولهم : رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة . قال الشاعر :
أبني لبينى إن أمكم * أمة وإن أباكم عبد