تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم . وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد اللّه بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه . فأتوه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنزل فيهم :
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ
محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك ، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر . والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن . قال بعض أهل العلم : في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلّا الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضا لم يكن للحذر فائدة ،
فَإِنْ تَوَلَّوْا
عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم ، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم ، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم اللّه . وفيه أن لهم ذنوبا جمة وأن هذا الذنب عظيم جدا كقول لبيد :
تراك أمكنة إذا لم أرضها . * أو يرتبط بعض النفوس حمامها .
أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفسا كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضا .
لَفاسِقُونَ
لمتمردون في الكفر . وفيه أن التولي عن حكم اللّه فسق مؤكد جدا . ثم استفهم منكرا لرأيهم فقال :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى . وقال مقاتل : إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : القتلى بواء أي سواء . فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بذلك فنزلت . وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم اللّه . وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية . واللام في قوله :
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
للبيان كاللام في :
هَيْتَ لَكَ
[ يوسف : 23 ] أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من اللّه حكما ولا أحسن منه بيانا . قال عطية العوفي : جاء عبادة بن الصامت فقال : يا رسول اللّه إن لي موالي من اليهود كثيرا عددهم حاضرا نصرهم