تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
يجتمعان . حجة الشافعي أن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتى تؤدى » « 1 » يوجب الضمان . وقد اجتمع في هذه السرقة أمران ، وحق اللّه لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، ولو كان المسروق باقيا وجب رده بالاتفاق . حجة أبي حنيفة قوله تعالى :
جَزاءً بِما كَسَبا
والجزاء هو الكافي ، فهذا القطع كاف في جناية السرقة . ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائما . أما كيفية القطع فقد روي أنه صلى اللّه عليه وسلم أتى بسارق فقطع يمينه . قال الشافعي : فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى ، فإن سرق ثالثا فيده اليسرى ، فإن سرق رابعا فرجله اليمنى ، وبه قال مالك . وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما ، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة . واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع ، والرجل من المفصل بين الساق والقدم . والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله :
فَاقْطَعُوا
ولم يجوّزه أبو حنيفة . واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلّا به وما لا يتم الواجب إلّا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب . وانتصاب
جَزاءً
و
نَكالًا
على أنه مفعول لهما ، والعامل
فَاقْطَعُوا
وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه :
فَاقْطَعُوا
أي جازوهم ونكلوا بهم
جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ
.
فَمَنْ تابَ
من السراق
مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ
أي سرقته
وَأَصْلَحَ
أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية عن الأغراض الفاسدة
فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ
وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضا . وعند الجمهور لا تسقط . وباقي الآيات قد مر تفسيره . وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقا لتقدم السرقة على التوبة .

التأويل :

إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى ، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل ، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها . وكان في نظر القلب أيضا في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى ، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا ، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في اللّه ولهذا قيل : العقل عقيله الرجال ، فحرم اللّه تعالى الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة ، وإذا كان قرين القلب كان عشقا فيوصله إلى أعلى فراديس القرب ، وإذا
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في كتاب البيوع باب 88 . الترمذي في كتاب البيوع باب 39 . ابن ماجة في كتاب الصدقات باب 5 . الدارمي في كتاب البيوع باب 56 . أحمد في مسنده ( 5 / 1 ، 13 ) .