تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
فهو حلال ، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلّا ما ذكيتم فإنه لكم حلال . العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون اللّه قاله الجوهري . وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله :
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
وقال ابن جريج : النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة ، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها ، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب ، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعا عليها . وقيل : النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف . الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام ، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلا منهما عند البيت ؛ كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها : « أمرني ربي » وعلى بعضها : « نهاني ربي » وتركوا بعضها غفلا أي خاليا عن الكتابة . فإن خرج الأمر أقدم على الفعل ، وإن خرج النهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاد العمل . فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح . وقال كثير من أهل اللغة : الاستقسام هاهنا هو الميسر المنهي عنه . والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة . يقال : ما أحسن ما زلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة .
ذلِكُمْ فِسْقٌ
إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق ، ويحتمل أن يرجع إلى الاستقسام بالأزلام فقط . وكونه فسقا بمعنى الميسر ظاهر ، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقا وكفرا . وقال الواحدي : إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه تعالى مختص بمعرفته ، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات . ثم إنه سبحانه حرض على التمسك بما شرع فقال :
الْيَوْمَ يَئِسَ
قيل : ليس المراد يوما بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الماضية والآتية كقولك : كنت بالأمس شابا وأنت اليوم شيخ . وقيل : المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى اللّه عليه وسلم واقف على ناقته العضباء . وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي : لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيدا . فقال ابن عباس : إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 546 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات