تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلّا القسم الأقل ؟ والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر ، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة . وأيضا الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا ، وغيرهم كالعدم وإن كثروا .
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
يعني عن الحق . قالت المعتزلة : فيه دلالة على أصلين من أصولنا : الأول أنّ المضل هو الشيطان دون اللّه ، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك . وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جدا فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله :
لَأُضِلَّنَّهُمْ
لَأُغْوِيَنَّهُمْ
[ ص : 82 ] وأخرى إلى الجبر المحض كقوله :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
[ الأعراف : 16 ]
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة .
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ
البتك القطع ، وسيف باتك أي صارم ، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة . وجمهور المفسرين على أنّ المراد به هاهنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة . وقال بعضهم : كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكا في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق . قوله :
فَلَيُبَتِّكُنَّ
صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فو اللّه ليبتكن وأصله ليبتكون ، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة ، والفاء للتسبيب والإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله :
وَلَآمُرَنَّهُمْ
ومثله في الإعراب قوله :
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي . فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين اللّه بتبديل الحرام حلالا وبالعكس ، أو بإبطال الاستعداد الفطري
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[ الروم : 30 ] « كل مولود يولد على الفطرة » . ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لعن اللّه الواشمات والواشرات والمتنمصات » « 1 » وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . أما وشم اليد فهو أن
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب البيوع باب 25 ، 113 . مسلم في كتاب اللباس حديث 119 . أبو داود في كتاب الترجل باب 5 . الترمذي في كتاب اللباس باب 25 . النسائي في كتاب الطلاق باب 13 . ابن ماجة في كتاب النكاح باب 52 . الدارمي في كتاب الاستئذان باب 19 . أحمد في مسنده ( 1 / 83 ، 87 ) ، ( 6 / 250 ) .