على التهكم مثل
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرئ الفقر بضمتين ، والفقر بفتحتين .
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور . والفاحش عند العرب البخيل . والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطا ، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل اللّه ، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئا لا الجيد ولا الرديء ، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء .
فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش ، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر ، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء . وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله ، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية . وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة ، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها . ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال :
وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن الملك ينادي كل ليلة : اللهم أعط منفقا خلفا وممسكا تلفا » « 1 »
فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا ، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى ، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه ، وغد العقبى مقطوع به . وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفة أخرى ، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن اللّه تعالى لا يخلف الميعاد . ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أو مهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه . وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول . وأيضا لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار البتة ، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص . والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب ، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة « منه » فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق .
ويحتمل أن يكون نوعا من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى
فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[ الفرقان : 70 ] أو أن يجعل شفيعا في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين . وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء ، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي ، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الزكاة باب 27 . أحمد في مسنده ( 2 / 306 ، 347 ) .