تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
قتلوا فنزلت . وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلا دليل الإيمان ، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين أيضا كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا . واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية اللّه أو أشد ، وكانوا يعترضون على اللّه تعالى بقولهم :
لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ
وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة . والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
في شأنهم بلا اختلاف . وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على الجهاد وهو أيضا ترتيب مطابق لما في المعقول ، لأنّ التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل اللّه . وإذا في
إِذا فَرِيقٌ
للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم . وقوله :
كَخَشْيَةِ اللَّهِ
من إضافة المصدر إلى المفعول . ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله :
أَوْ أَشَدَّ
ثم نصب
خَشْيَةً
على التمييز فالتقدير : يخشون الناس مشبهين لأهل خشية اللّه أو أشد خشية من خشية أهل اللّه . نعم لو قيل : أشد خشية بالإضافة انتصب خشية اللّه على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر ، اللهم إلّا أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى : خشية مثل خشية اللّه أو خشية أشد خشية من خشية اللّه . وعلى هذا يجوز أن يكون محل
أَشَدَّ
مجرورا عطفا على خشية اللّه أي كخشية اللّه أو كخشية أشد خشية منها . وكلمة « أو » ليست للشك هاهنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو ، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد ، فبيّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من اللّه فيبقى إما أن يكون مساويا أو أزيد فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين . أو هذا نظر قوله
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
[ الصافات : 117 ] يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام .
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
[ النساء : 77 ] إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على اللّه ولكن جزعا من الموت وحبا للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالا إلى وقت آخر كقوله :
لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى