تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ
[ المنافقون : 10 ] وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم ، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه . ومعنى
لَوْ لا أَخَّرْتَنا
هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ
لا لكل الناس بل
لِمَنِ اتَّقى
فإن للكافر والفاسق هنالك نيرانا وأهوالا ومن هنا قال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » « 1 » . وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة ، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة ، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار ، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها . ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة . والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المرأة إذا أظهرت محاسنها . والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية ، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى . قال المفسرون : كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك اللّه تعالى عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
[ الأعراف : 94 ] فعند هذا قالت اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل ؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم . فقوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند اللّه ، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله :
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
[ الأعراف : 131 ] . وقال قوم : الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة ، والسيئة القتل والهزيمة . وقال أهل التحقيق : خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة . فإن كان منتفعا به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما ، وإن كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة . فالحسنة تعم الحسنات ، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم اللّه تعالى بقوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات ؟ ولهذا تعجب من حالهم وقال :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلا عن الفقه والفهم . قالت المعتزلة : بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب الزهد حديث 1 . الترمذي في كتاب الزهد باب 16 . ابن ماجة في كتاب الزهد باب 3 . أحمد في مسنده ( 2 / 197 ) .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 450 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات