تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
الثاني فعن الحسن : نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها . وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل ، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا . وقال عبد الرحمن بن زيد : نردهم إلى حيث جاءوا منه وهي أذرعات الشام . يريد إجلاء بني قريظة والنضير . والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب . وقيل : الطمس القلب والتغيير . والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم . والضمير في قوله :
أَوْ نَلْعَنَهُمْ
إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء ، وإما لأصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم ، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات . فإن قيل : فأين وقوع الوعيد ؟ فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه . حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد اللّه بن سلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال : يا رسول اللّه ، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي . وأيضا إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن . فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين ، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان . واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ . وقيل : هو منتظر ولهذا قيل :
وُجُوهاً
منكرة دون « وجوهكم » ليشمل وجوها غير المخاطبين من أبناء جنسهم ، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة . وقيل : إنّ قوله :
آمِنُوا
تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً
واقعا في الآخرة . فالتقدير : آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله ، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد ، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك البتة . والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام ، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه تعالى مفعول أي مخلوق . ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ
الآية . وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم ، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع . ومن هنا قال الشافعي : المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك ، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله ، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 424 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات