تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا ، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن اللّه يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] رجاء أن يغفر اللّه لهم ، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، هناك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا اللّه حديثا . وإما أن يكون كلاما مستأنفا فإن ما عملوه ظاهر عند اللّه فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه ؟ ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
وقد مر سبب نزوله في البقرة . وفي لفظ الصلاة هاهنا قولان : أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي ، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة . وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى . ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين : إحداهما حالة السكر ، وذلك أن جمعا من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة ، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها . وثانيهما حالة الجنابة ، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه ، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه . والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين : الأولى حالة السكر أيضا إلّا إذا علموا ما يقولون ، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها . والثانية حالة الجنابة ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر . أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة ، إلّا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها وهي حال السفر . ويجوز أن يكون
إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ
صفة لقوله :
جُنُباً
أي لا تقربوها جنبا غير عابري سبيل أي جنبا مقيمين . وإنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها ، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة . ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضا إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة ، اللهم إلّا أن يقال : إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولا . وسكارى جمع سكران . وقوله :
وَأَنْتُمْ سُكارى
في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله :
وَلا جُنُباً
والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب ، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال : إن السكر هاهنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق ، فإن السكر عبارة عن سد الطريق ، ومنه سكر السبيل سد