تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلا :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن . والذرة النملة الصغيرة . وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال : كل واحد من هذه الأشياء ذرة . وقيل : كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة . وانتصاب
مِثْقالَ
على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة ، أو على المصدر أي ظلما قدر مقدارها ، وأراد نفي الظلم رأسا إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف . وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه تعالى غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوبا إليه ، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلما . وأجيب بأنه إذا كان متصرفا في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلا . وقد يحتج الأصحاب هاهنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلا لطاعات سبعين سنة كان ظلما ، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائما مخلدا لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم . ثم قال :
وَإِنْ تَكُ
حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال . من قرأ
حَسَنَةً
بالرفع فعلى « كان » التامة ، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافا إلى مؤنث . والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال ، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار ، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين . عن ابن مسعود أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان ابن فلان ، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ، ثم يقال له : أعط هؤلاء حقوقهم ، فيقول : يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول اللّه لملائكته : انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها ، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها اللّه تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته ومصداق ذلك في كتاب اللّه
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
. قال الحسن : الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة ، لأن هذا يكون مقداره معلوما ، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلّا اللّه تعالى . وعن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ اللّه لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة . وأما الكافر فبطعم بحسنات ما عمل بها للّه في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها » « 1 » أما قوله :
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
فإن
لَدُنْهُ
بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكنا . يقول الرجل : عندي مال وإن كان المال ببلد آخر . ولا يقول : لديّ مال إلّا إذا كان بحضرته . والمعتزلة حملوا
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب المنافقين حديث 56 . أحمد في مسنده ( 3 / 123 ) .