وجه النظم فيه أن التغليظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة . وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط ، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن . واللاتي جمع التي وفيه لغات : اللائي بالهمزة ، واللواتي واللوائي فكأنهما جمعا الجمع . وقد تحذف الياءات من الأربعة ، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش واللاء يئسن من المحيض [ الطلاق : 4 ] وقد يقال : اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز ، وقد يقال : اللوا بحذف التاء والياء معا . وقد يقال : اللاءات كاللامات . قال ابن الأنباري : العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي ، ومن الحيوان اللاتي كقوله :
أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
[ النساء : 5 ] وقال في هذه الآية
وَاللَّاتِي
لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات . ومن العرب من يلغي هذا الفرق .
والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية . وأجمعوا على أنها الزنا هاهنا . قال المحققون : خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية ، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها ، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه ، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع . ومعنى
مِنْ نِسائِكُمْ
من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال .
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ
احتياطا لأمر الزنا . والمراد بقوله :
مِنْكُمْ
أي من رجالكم . قال الزهري : مضت السنة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلا مفسرا كقولهم : رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة ، أو كالرشاء في البئر . ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض ، ولا مع تحليل عالم كالمتعة ، ولا بشبهة
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ
خلدوهن محبوسات في بيوتكم
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
بالنكاح أو بالحد .
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ
يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط
فَآذُوهُما
فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما اللّه أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه ؟
فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا
وغيرا الحال
فَأَعْرِضُوا عَنْهُما
فاقطعوا التوبيخ والذم ، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام . واعلم أن للعلماء خلافا في الآيتين . فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول . أمروا بإيذاء الزانيين أولا ثم أمروا بإمساك النساء في