تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
تصير معرفته باللّه ضرورية كما لأهل الآخرة ، وحينئذ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار ، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار . وهاهنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا ، ويشاهدون أيضا أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل ، فكيف يكون ذلك العلم ضروريا ؟ وبتقدير كونه ضروريا فلم يمنع ذلك صحة التكليف ؟ وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه . وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه ، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري البتة ، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجبا للتكليف ، والضروري مانعا من التكليف ؟ فثبت ضعف هذا الفرق ، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات ، وبعد له أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر ، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردودا والمردود مقبولا
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] وأقول : التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء ، وقوله صدق وأمره حق ، وقد عين لعبيده حالين : دنيا وعقبى . وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل ، والعقبى دار الجزاء ، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم لم يعكس الأمر . ثم إن لليقين مراتب : علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين . وليس ببعيد أن لا يكون علم اليقين منافيا للتكليف ، ويكون عين اليقين منافيا له . ثم عطف قوله :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
على
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت ، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة . فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين ، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة . أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت ، كذلك الإيمان لا يقبل عند القرب من الموت ، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم .
أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ
أي أعددنا الوعيد نظير قوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة . قالت الوعيدية : المعطوف مغاير للمعطوف عليه . لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم ، فثبت أن حكمهما واحد . وأجيب بأن
أُولئِكَ
إشارة إلى أقرب المذكورين ، ويعضده أن الكفار أشنع قولا من الفساق ، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون ، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمروذ مثلا .