تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
قال الفراء والزجاج : أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق اللّه المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه . والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار ، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها . وقال كثير من المفسرين : هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء . قال صاحب الكشاف : هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل . يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ ، وفي تبدل على المعطى . ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلا . ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه . وقيل : معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك فيكون متبدلا الخبيث بالطيب .
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ
منضمة
إِلى أَمْوالِكُمْ
وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل
إِنَّهُ
أي الأكل
كانَ حُوباً كَبِيراً
ذنبا عظيما . والحاب مثله ، والتركيب يدور على الضعف ، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف . وقيل : « إلى » هاهنا بمعنى « مع » والفائدة في زيادة قوله :
إِلى أَمْوالِكُمْ
أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى ، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم .
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا
أقسط الرجل عدل وقسط جار . وقال الزجاج : أصلهما جميعا من القسط وهو النصيب . فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم : قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه . وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية . واعلم أن قوله :
وَإِنْ خِفْتُمْ
شرط وقوله :
فَانْكِحُوا
جواب له . ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه : الأول ما روي عن عروة أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قول اللّه تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى
فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها . ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها . فقال تعالى وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد . قالت عائشة : ثم إن الناس استفتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل اللّه تعالى
يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ
[ النساء : 127 ] الآية . فقوله فيها :
وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ