عزائم اللّه ومما ألزمكم الأخذ به . قال الواحدي : كان هذا قبل نزول آية القتال . وقال القفال : الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف . والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال . والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه . عن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو النبي صلى اللّه عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يستصلحهم كلهم . فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى ، فأمر اللّه نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية .
روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد اللّه بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه . فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود ، وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة . فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد اللّه بن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا . فسلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم وقف . فنزل ودعاهم إلى اللّه وقرأ عليهم القرآن . فقال عبد اللّه بن أبي : أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا . ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه . فقال عبد اللّه بن رواحة : بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك .
فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون . فلم يزل النبي صلى اللّه عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا . ثم ركب النبي صلى اللّه عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له : يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد للّه بن أبي ؟ قال : كذا وكذا . فقال سعد بن عبادة : يا رسول اللّه اعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللّه بالحق الذي نزل عليك ، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما ردّ اللّه ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنزل اللّه هذه الآية .
ثم إنه تعالى عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به - وأيضا من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون نعته وصفته فلهذا قال :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
بإضمار « اذكر » والضمير في
لَتُبَيِّنُنَّهُ
قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي . وقال الحسن وقتادة : يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه . وقيل له اللّه لتفعلن
وَلا تَكْتُمُونَهُ
قيل : الواو للحال أي غير كاتمين . ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكدا بالنون . والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان ، لكنه صرح به للتأكيد
فَنَبَذُوهُ