تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
أنه مالك الملك ، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلما . فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلما . قيل : إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له ، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلما لكان عظيما ، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا . وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلما عظيما لو لم يكونوا مذنبين . أقول : إنه تعالى نفى حقيقة الظلم عنه في قوله :
وَما ظَلَمْناهُمْ
[ هود : 101 ]
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
[ البقرة : 281 ] وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ، ولكنه نفى هاهنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال : إن خيّل إليكم أن في الوجود شرا بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير ، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني ، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير . ونقول : أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه ، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير ، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة . ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال :
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
قال الكلبي : نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب ، أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : تزعم أن اللّه بعثك إلينا رسولا ، وأنزل عليك الكتاب ، وإن اللّه قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند اللّه حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت . قال عطاء : كانت بنو إسرائيل يذبحون للّه فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف ، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت ، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى اللّه . وأصله مصدر كالكفران والرجحان . ثم سمي به نفس المتقرب به إلى اللّه ومنه قوله عليه السلام لكعب بن عجرة : « يا كعب ، الصوم جنة والصلاة قربان » « 1 » أي بها يتقرب إلى اللّه ويستشفع في الحاجة لديه . وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان : قال السدي : إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء . قال : من جاءكم يزعم أنه رسول اللّه فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا . فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت . وقيل : إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء ، فأي فائدة في تخصيصها ؟ ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 3 / 321 ، 399 ) .