الآية في شهداء بئر معونة . وقال بعضهم : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا : نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور ، فنزلت الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون . واختلف العلماء في معنى هذه الحياة . فعن طائفة أنها على سبيل المجاز . وقال الأصم والبلخي : أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى . وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال : ما مات من خلف مثلك . ومن هذه الطائفة من قال : مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض البتة .
روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي : من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع . قال جابر : فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة إصبع رجل منهم فقطرت دما .
ومن هؤلاء من قال : المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء .
وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد ، وزيف بأنه عدول عن الظاهر ، وبأن عذاب القبر ثابت . فالثواب أولى . وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتا والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في يوم القيامة ، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه . وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير . وبقوله :
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ
والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة . وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية ، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة . وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية ، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال ، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل . ولأن الإنسان يكون عالما بنفسه حالما يكون غافلا عن جميع أعضائه وأجزائه ، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم . ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسما مخصوصا ساريا أو جوهرا مجردا لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حيا أو أماته اللّه فيعيده حيا ، وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات . ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن ، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر ، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح . وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سرورا وابتهاجا وفرحا وارتياحا ، وانطبعت فيها الجلايا القدسية ، وانكشفت لها المعارف الإلهية . وأكثر أرباب