تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة واللّه أعلم . ومعنى
عِنْدَ رَبِّهِمْ
أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله :
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ
[ فصلت : 38 ] أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم ، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال : « هذه المسألة عند الشافعي كذا » . يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق اللّه كما ورد في الحديث .
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها . وقال المتكلمون : الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم . فقوله :
يُرْزَقُونَ
إشارة إلى المنفعة وقوله :
فَرِحِينَ
إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم . وبلسان الحكماء
يُرْزَقُونَ
إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و
فَرِحِينَ
رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال ، و
يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ
بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم . والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة . ومعنى
مِنْ خَلْفِهِمْ
أنهم بقوا بعدهم . وقيل لم يلحقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
بدل الاشتمال من « الذين » . وذلك أن اللّه يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون آمنين يوم القيامة ، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم . وإنما بشرهم اللّه بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم ، فأكرمهم اللّه تعالى بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب اللّه فحصل لهم سروران : من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ
ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكيد فقال :
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
وهي الثواب . وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم .
وَأَنَّ اللَّهَ
أي وبأن اللّه
لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين . ثم إنه تعالى مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد ، والثانية بغزوة بدر الصغرى . أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا : إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلّا القليل . فلم تركناهم ؟ فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول اللّه ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال : لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس . فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى اللّه الرعب في قلوب