تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد . وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى اللّه عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه ، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة . ومنهم من قال : اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي ، وكيف لا وإنه كان مأمورا بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة . وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين ، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي صلى اللّه عليه وسلم بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب . وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال : وهذا كقوله صلى اللّه عليه وسلم « البكر تستأمر في نفسها » « 1 » ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييبا لنفسها فكذا هاهنا .
فَإِذا عَزَمْتَ
أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن . عن جابر بن زيد أنه قرأ
فَإِذا عَزَمْتَ
بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحدا .
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ
عن ابن عباس : إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد
وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
كما خذلكم يوم أحد
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ
أي من بعد خذلانه لدلالة الفعل عليه ، أو هو من قولك « ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان » تريد إذا جاوزته . وقيل : إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية ، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء ؟ فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الإدخال فيه .
وَعَلَى اللَّهِ
وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه ، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه . وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل ، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده .

التأويل :

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
أيها الطلاب
وَعْدَهُ
ألا من طلبني وجدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الحيل باب 11 . كتاب الإكراه باب 3 . أبو داود في كتاب النكاح باب 23 - 25 . الترمذي في كتاب النكاح باب 18 . ابن ماجة في كتاب النكاح باب 11 . الدارمي في كتاب النكاح باب 13 . أحمد في مسنده ( 1 / 219 ) بلفظ « لا تنكح البكر . . . . ولا الثيب حتى تستأمر » .