للرسول أي فآساكم في الاغتنام . فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره ، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها . وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان : أحدهما أن يكون هناك غمان : الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع ، والثاني ما حصل عند الهزيمة . أو الأول غم فوت الغنائم ، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعا عظيما . أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين . أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم ، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم . أو الأول خوف عقاب المعصية ، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة ، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل ، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة .
وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها ، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها . ثم اللام في قوله :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا
يحتمل أن يتعلق بقوله :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل هم وحزن ، وإما أن يتعلق بقوله :
فَأَثابَكُمْ
فيكون المعنى على قول الزجاج : إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار ، وليصير ذلك زاجرا لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر اللّه . وعلى قول الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها ، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائدها . قالت الأشاعرة : معنى إثابة الغم من اللّه تعالى خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء . وأما المعتزلة فإنهم يقولون : الغم فعل العبد لكنه أسند إليه تعالى لأنه طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون . وإن سلم أنه بخلق اللّه فلرعاية المصالح ، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية ، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير اللّه ، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال . وإن جعل الإثابة مسندا إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر اللّه ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ . وإن جعلت الباء بمعنى « مع » فالمعنى كما في قول الزجاج : أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة ، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك ، فيصير هذا مانعا لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى . ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال :
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
عالم بجميع