تستأصلونهم قتلا . قال أصحاب الاشتقاق : حسّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال :
بطنه إذا أصاب بطنه ، ورأسه إذا أصاب رأسه .
بِإِذْنِهِ
بعلمه . وقيل : المراد بهذا الوعد أنه صلى اللّه عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشا فصدق اللّه رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد ، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء . وقيل : هو ما ذكره من قوله
إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ
[ آل عمران : 125 ] إلا أن هذا كان مشروطا بشرط هو الصبر والتقوى .
وقيل : المراد هو أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال للرماة : لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما دمتم فيه .
فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم . وقيل : لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا اللّه النصر فنزلت
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ
قال بعض العلماء : هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب . والمعنى قد نصركم اللّه إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطا بالصبر . وقال آخرون : إنه للمجازاة . ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه : أحدها قال البصريون : إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه . وثانيها قال الكوفيون : جوابه وعصيتم ، والواو زائدة . والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وثالثها قال أبو مسلم :
جوابه ثم صرفكم . و « ثم » هاهنا كالساقطة . وقيل : جوابه ما يدل عليه قوله :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
والتقدير : حتى إذا فشلتم صرتم فريقين . والمراد بالفشل الجبن والخور ، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا : الغنيمة .
فقال عبد اللّه بن جبير أمير الرماة : عهد إلينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن لا نبرح هذا المكان . فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة ، وبقي عبد اللّه مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون .
وقوله :
فِي الْأَمْرِ
إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن ، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان . وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة ، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا ، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة .
وإنما ورد الخطاب عاما وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتمادا على المخصص بعده وهو قوله
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
وفائدة قوله :
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن اللّه أكرمهم بإنجاز الوعد كان