تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال : أين ابن أبي كبشة - يعني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ - أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى . والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعا ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار . وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه . ولكن ظاهر قوله :
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم . إما في الحرب وإما في المحاجة . وقيل : إنه مخصوص بأولئك الكفار .
بِما أَشْرَكُوا
أي بسبب إشراكهم باللّه . وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] ومن اعتقد أن للّه شريكا لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول : إن كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة . فيلزمهم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة . كيف وإنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا ؟
ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
آلهة لم ينزل اللّه بإشراكها حجة . والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان ، ومنه سلاطة اللسان ، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر . قال الجوهري : السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر . وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة ، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعا كقوله : ولا ترى الضب بها ينجحر قال المتكلمون : التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته . ومنهم من يبالغ فيقول : ما لا دليل عليه فيجب نفيه . ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال : لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه . ويكفي في رفع هذه الحاجة إثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته . أقول : هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه ، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل ، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك . ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال :
وَمَأْواهُمُ
أي والمكان الذي يأوون إليه
النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ
مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله :
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ