تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
إنفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا وإيمانا » « 1 » وقال أيضا : « ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » « 2 » ومنها قوله :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
قيل : يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة :
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ
[ البقرة : 280 ] ويحتمل أنه صلى اللّه عليه وسلم غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال : لأمثلن بهم . فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم . والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه . قال صلى اللّه عليه وسلم « لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه » وعن عيسى ابن مريم عليه السلام : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة ، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك .
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون ، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء . وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات . ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود . ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ ، وإما في الآخرة بأن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو . فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير . فذكر ثواب المجموع بقوله :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
فإن محبة اللّه للعبد أعظم درجات الثواب . قال ابن عباس في رواية عطاء : إن منهالا التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك ، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
الآية . وقال في رواية الكلبي : إن رجلين أنصاريا وثقيفا آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينهما ، فكانا لا يفترقان في أحوالهما . فخرج الثقفي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته . فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها ، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها . فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعا فقال : سبحان اللّه خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك . قال : وندم على صنيعه فخرج يسيح في الجبال ويتوب
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في كتاب الأدب باب 3 . الترمذي في كتاب البر باب 74 . ابن ماجة في كتاب الزهد باب 18 . أحمد في مسنده ( 3 / 438 ، 440 ) . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الأدب باب 102 . مسلم في كتاب البر حديث 106 . الموطأ في كتاب حسن الخلق حديث 12 . أحمد في مسنده ( 1 / 382 ) .