سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة . والأكثرون على أن المراد بالعرض هاهنا خلاف الطول . وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول ، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول . ونظيره
بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
[ الرحمن : 54 ] لأن البطائن في العادة تكون أدون حالا من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة ؟ وقال القفال : العرض عبارة عن السعة . تقول العرب : بلاد عريضة أي واسعة . والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق ، وما ضاق عرضه دق . فجعل العرض كناية عن السعة . وسئل هاهنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء ؟ وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السماوات وتحت العرش .
قال صلى اللّه عليه وسلم في صفة الفردوس « سقفها عرش الرحمن » « 1 »
وروي أن رسول هرقل سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : إنك تدعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : سبحان اللّه فأين الليل إذا جاء النهار ؟
والمعنى - واللّه ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب ، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل .
وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء ؟ فقال : وأي أرض وسماء تسع الجنة ؟ قيل : فأين هي ؟ قال : فوق السماوات السبع تحت العرش .
ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات . منها قوله :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه . عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة .
وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت : احسب كم هي من مثقال ذرة . وقيل : في عرس أو حبس . والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة ، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن . وقيل : إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم ، أو ساءهم بأن كان مخالفا له ، فإنهم لا يتركونه . وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند اللّه لأنه طاعة شاقة ، أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين .
ومنها قوله
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
كظم القربة إذا ملأها وشد فاها . ويقال : كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه ، ورد غيظه في جوفه ، وكف غضبه عن الإمضاء ، وهو من أقسام الصبر والحلم .
قال صلى اللّه عليه وسلم « من كظم غيظا وهو يقدر على
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 335 ) .