يكون بالتزام التكاليف الشرعية . وثانيهما أنه لما ذكر حال الأشقياء وحال السعداء نبه أوّلا على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ
بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة . ثم نبه على سبب وعد السعداء بقوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة ، وأقول :
لما انجر الكلام في مخاطبة المؤمنين إلى بيان أن كل ما في الوجود ملكه وملكه إبداعا واختراعا وأن منتهى الكل إليه ، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف ، وذكر بعدها رذيلة أهل الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله المالك في ملكه . عن عكرمة ومقاتل أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة : إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ، ونحن خير وأفضل منكم . فأنزل اللّه هذه الآية . قال بعض المفسرين : « كان » هاهنا تامة ، وانتصاب
خَيْرَ أُمَّةٍ
على الحال أي حدثتم ووجدتم خير أمة . والأكثرون على أنها ناقصة ، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل . فأجيب بأن « كان » لا تدل على عدم سابق ولا انقطاع طارئ بدليل قوله :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
[ النساء : 69 ] وقيل : المراد كنتم في علم اللّه أو في اللوح المحفوظ خير أمة ، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله :
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ
[ الفتح : 29 ] وقال أبو مسلم : هذا تابع لقوله :
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ
وما بينهما اعتراض والتقدير : أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة : كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم . وقال بعضهم : لو شاء اللّه لقال : أنتم . فكان هذا التشريف حاصلا لكلنا ، ولكنه مخصوص بقوم معينين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم السابقون الأولون ومن صنع مثل صنيعهم . وقيل : إنها زائدة والمعنى :
أنتم خير أمة . وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا تعمل كقول العرب « عبد اللّه كان قائم وعبد اللّه قائم كان » ولا يقولون : « كان عبد اللّه قائم » على أن « كان » زائدة .
لأن البداءة بها دليل شدة العناية ، والملغى لا يكون في محل العناية . وقيل : إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة . وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد ، وأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم هي الطائفة الموصوفة بالإيمان به والإقرار بنبوته . وإذا أطلقت الأمة في نحو قول العلماء « اجتمعت الأمة » وقعت عليهم . وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم لفظ الأمة إلا بهذا القيد . قال الزجاج : ظاهر الخطاب في
كُنْتُمْ
مع أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ولكنه عام في حق كل الأمة . ونظيره
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ
[ البقرة : 178 ]
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
[ البقرة : 183 ] وقوله :
لِلنَّاسِ
إما أن يتعلق ب
أُخْرِجَتْ