والمعنى : كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار . ومعنى إخراجها أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها . وإما أن يتعلق ب
كُنْتُمْ
أي كنتم للناس خير أمة . ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله :
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
كما تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم . وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيرا من المبطل ، ولأن اللام في
بِالْمَعْرُوفِ
وفي
الْمُنْكَرِ
للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر فيكون إجماعهم حقا . وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد ، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل . وأعرف والمعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات الكفر باللّه ، فكان الجهاد في الدين تحملا لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار ، فكان من أعظم العبادات . ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » « 1 »
فلا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم ، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ، ويقروا بما أنزل اللّه ، وتقاتلونهم عليه ، ولا إله إلا اللّه أعظم المعروف والتكذيب أنكر المنكر . وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم ، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرها إلى أن يألفه متدرجا . وأما الإيمان باللّه فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك ، ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض . وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان باللّه لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة إيمانا ، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله :
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ
وإنما قدم الأمر بالمعروف على الإيمان باللّه في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات ، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا كرر بعد قوله :
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب الإيمان حديث 32 - 36 . البخاري في كتاب الإيمان باب 17 ، 28 . أبو داود في كتاب الجهاد باب 95 . الترمذي في كتاب تفسير سورة 88 . النسائي في كتاب الزكاة باب 3 .
ابن ماجة في كتاب الفتن باب 1 - 3 . بدون لفظ « أنا نبي السيف » .