تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
يا بياض القرون سودت وجهي * عند بيض الوجوه سود القرون
وثانيهما : أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة ، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة . فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه ، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطت به الظلمة من كل جانب . قالوا : والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور . وأيضا إذا عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في الطاعات وترك المحرمات . قلت : والتحقيق فيه أن والهيئات والأخلاق الحميدة أنوار ، والملكات والعادات الذميمة ظلمات ، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي إلا بعد المفارقة إلى الآخرة
انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
[ الحديد : 13 ] واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر وإنه ليس هاهنا منزلة بين المنزلتين ، لأنه قسم أهل القيامة إلى قسمين : مبيض الوجوه وهم المؤمنون ، ومسودها وهم الكافرون لقوله تعالى في آخر الآية
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه ، وأيضا لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم . وأيضا المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان ، ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول في الفساق . والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم ، فيكون الخطاب لجميع الكفار ؟ وأنه أيضا جعل موجب العذاب في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان . فإن قيل : لم قدم البياض على السواد أوّلا وعكس آخرا ؟ فالجواب بعد تسليم إفادة الواو الترتيب ، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بهم أيضا تنبيها على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال : « سبقت رحمتي غضبي » ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة . ومن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ؟ قال أبي بن كعب : هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق ، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : المراد أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه اللّه من دلائل التوحيد والنبوة ؟ وقال عكرمة والأصم والزجاج : إنهم أهل الكتاب آمنوا قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم وكفروا به بعد بعثه . وقال قتادة : إنهم المرتدون . وقال الحسن : هم المنافقون . وقيل : هم الخوارج الذين قال فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من