تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
الحرة . فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ
الآيات فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته ، فلما سمعوا صوته صلى اللّه عليه وسلم أنصتوا له صلى اللّه عليه وسلم وجعلوا يستمعون ، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجثوا يبكون . وفي رواية زيد بن أسلم : خرج إليهم رسول اللّه فيمن معه من المهاجرين فقال : يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم اللّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟ اللّه اللّه . فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل اللّه عزّ وجل الآيات . قال جابر بن عبد اللّه : ما كان من طالع أكره إلينا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح اللّه ما بيننا ، فما كان شخص أحب إلينا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فما رأيت يوما قط أقبح ولا أوحش أوّلا وأحسن آخرا من ذلك اليوم .
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ
استفهام بطريق الإنكار والعجب . والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات اللّه تتلى عليكم على لسان الرسول صلى اللّه عليه وسلم في كل واقعة وبين أظهركم رسول اللّه يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم كل علة ؟ ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر ، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قول المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي صلى اللّه عليه وسلم . قلت : أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر ، وأما النبي صلى اللّه عليه وسلم فإن كان قد مضى إلى رحمة اللّه في الظاهر ، ولكن نور سره باق بين المؤمنين ، فكأنه باق على أن عترته صلى اللّه عليه وسلم وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضا . ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب اللّه وعترتي » « 1 » وقال : « إن العلماء ورثة الأنبياء » « 2 » اللّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك . وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبدا إلى يوم القيامة . ثم بين أن الكل بعصمة اللّه وتوفيقه فقال :
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ
يتمسك بدينه أو يلتجئ إليه في دفع شرور الكفار
فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة . أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق اللّه وهدايته بل قالوا : إنه بفعل
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة حديث 36 ، 37 . الدارمي في كتاب فضائل القرآن باب 1 . أحمد في مسنده ( 3 / 14 ، 17 ، 367 ) . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب العلم باب 10 . أبو داود في كتاب العلم باب 1 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 17 . الدارمي في كتاب المقدمة باب 32 . أحمد في مسنده ( 5 / 196 ) .