تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وتفصيلا بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريرا له في الأذهان . ومنها ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا » ونظيره قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر » « 1 » ومنها إظهار الغنى وتهويل الخطب بذكر اسم اللّه دون أن يقول : « فإنه » أو « فإني » فإنه يدل على غاية السخط والخذلان . ومنها وضع المظهر مقام المضمر حيث قال :
عَنِ الْعالَمِينَ
. ولم يقل « عنه » لأنه تعالى إذا كان غنيا عن كل العالمين فلأن يكون غنيا عن طاعة ذلك الواحد أولى . ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله ، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا : إن الحج إلى مكة غير واجب . وعن الضحاك : لما نزلت آية الحج جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل الأديان الستة . المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال : إن اللّه تعالى كتب عليكم الحج فحجوا . فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه . فنزلت
وَمَنْ كَفَرَ
. ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله صلى اللّه عليه وسلم : « حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة » وروي « حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه » أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره . وعن ابن مسعود : حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت . وعن عمر : لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون . ثم إنه سبحانه لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
التي دلتكم على صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات ، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج ؟
وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ
فيجازيكم عليه . وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال :
لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ
قال المفسرون : وكان صدّهم عن سبيل اللّه إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين ، وإنكار أن نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم في كتابهم ، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم ، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله . ومحل
تَبْغُونَها عِوَجاً
أي اعوجاجا نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين
هامش
( 1 ) رواه النسائي في كتاب الصلاة باب 8 . الترمذي في كتاب الإيمان باب 9 . ابن ماجة في كتاب الإقامة باب 77 . أحمد في مسنده ( 5 / 346 ) .
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 219 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات