تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام . وقوله :
أَوْ يُحاجُّوكُمْ
عطف على
أَنْ يُؤْتى
والضمير في
يُحاجُّوكُمْ
ل
أَحَدٌ
لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند اللّه بالحجة . قال : ومعنى الاعتراض ، أن الهدى هدى اللّه ، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك ، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين . وكذلك قوله :
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ
مؤكد للاعتراض الأول ، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
[ النمل : 34 ] بعد قوله :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
[ النمل : 34 ] فإن قيل : إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد صلى اللّه عليه وسلم كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه ، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضا بالإقرار ؟ ربما يدل على صحة دين محمد صلى اللّه عليه وسلم عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب . فالجواب : ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم ، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم . على أنه يحتمل أن يكون شائعا ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم . فإن قيل : كيف وقع قوله :
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
فيما بين جزأي كلام واحد ؟ وهذا لا يليق بكلام الفصحاء ؟ قلت : قال القفال : يحتمل أن يكون هذا كلاما أمر اللّه نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد . كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولا باطلا لا جرم أدب رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يقابله بقول حق ، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولا فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة : آمنت باللّه أو لا إله إلا اللّه ، أو تعالى اللّه ، ثم يعود إلى تلك الحكاية . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير والتقدير : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى اللّه وأن الفضل بيد . واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين : أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله :
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
. وذلك أن مع كمال هداية اللّه وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر . وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله :
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان . والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير . ومعنى قوله
بِيَدِ اللَّهِ
أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
. وفيه دليل