تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
فيرجعوا إلى دينكم ، فتكون هذه الآية كقوله :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
[ البقرة : 14 ] . وقال الأصم : معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين ، وذلك أنه قال بعضهم لبعض : إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيرا مما جاء به حق ، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه . وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا . فعن ابن عباس : وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح ، وآخره صلاة الظهر . وتقريره أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك ، فلما حوّله اللّه إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره : آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق . وقال مجاهد ومقاتل والكلبي : لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا : آمنوا بالذين أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار ، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون : هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا ، فحذر اللّه نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين . ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعا لهم . وفيه أيضا أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزا . ثم قال تعالى :
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب . واتفقوا على أن قوله :
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ
وكذا قوله :
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ
إلى آخرها كلام اللّه إلا أنهم اختلفوا في أن قوله :
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ
من جملة كلام اللّه ، أو من جملة كلام اليهود ، ومن تتمة قولهم :
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين ، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار ، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة . أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر ، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر . وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر . والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه ؟ فحذف الجواب للاختصار ، وهذا الحذف كثير . ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه : أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك ؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك ؟ ونظيره قوله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
[ الزمر : 9 ] ومعنى قوله حكاية عنهم
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبيا