بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند اللّه منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم .
وروي أن رجلا قام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : أيّ الجهاد أفضل ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر .
فإن قيل : إذا كان قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول اللّه ، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط ، فكيف يصح الكلام ؟ قلنا : إن القوم كانوا يريدون قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين جميعا ، إلا أنه تعالى عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال : اسم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل . أو نقول : وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك . عن أبي عبيدة بن الجراح قلت : يا رسول اللّه أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ قال : رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية . ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة . فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
إنما دخلت الفاء لتضمن اسم « إن » معنى الشرط ، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف « ليت » و « لعل » .
واعلم أنه تعالى قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام : الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم ، واستعارة البشارة هاهنا للتهكم . الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية ، وأما في الآخرة فكما قال عزّ من قائل
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
[ الفرقان : 23 ] الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله :
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
عن ابن عباس قال : دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى اللّه فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ فقال : على ملة إبراهيم . فقالا : إن إبراهيم كان يهوديا . فقال رسول اللّه : فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا فنزلت .
وقال الكلبي : نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه صلى اللّه عليه وسلم
وسوف تجىء القصة في سورة المائدة مفصلة . وقيل : دعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت .
ومعنى قوله :
أُوتُوا نَصِيباً
أي حظا وافرا من علم الكتاب يريد أحبار اليهود . و « من » إما للتبعيض وإما للبيان . والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها .