تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح ، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبدا منقادا معترفا بأنه تعالى قائم بالقسط . ومن قرأ بفتح « أن » فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول ، بدل الكل فكأنه قيل : شهد اللّه أن الدين عند اللّه الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله : لا أرى الموت يسبق الموت شيء وقيل : تقديره شهد اللّه أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند اللّه الإسلام . وقيل : شهد اللّه أنه لا إله إلا هو أن الدين عند اللّه الإسلام . لأن كونه تعالى واحدا يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام ، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الوحدانية . وقرئ الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض . ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزال الشبهات ، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال :
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
قيل : هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه السلام لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلا من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع ، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغيا بينهم وتحاسدا على طلب الدنيا . وقيل : المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم العلم أنه عبد اللّه ورسوله . وقيل : المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن اللّه ، وقالت النصارى المسيح ابن اللّه . وأنكروا نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقالوا : نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب .
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم . لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير .
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
لا يصعب عليه عد أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة ، أو المراد أنه سيصل إلى اللّه سريعا فيحاسبه أي يجازيه على كفره . ثم بين للرسول صلى اللّه عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم فقال :
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
قال الفراء : أي أخلصت عملي للّه . فعلى هذا « الوجه » في معنى العمل . وقيل : أي أسلمت وجه عملي للّه . فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال . فالوجه في الإتيان بها هو عبودية اللّه والانقياد لإلهيته وحكمه . وقيل : الوجه مقحم ، والتقدير : أسلمت نفسي للّه ، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه ، وقوله :
وَمَنِ اتَّبَعَنِ
معطوف على الضمير المرفوع في
أَسْلَمْتُ
وحسن للفصل . أو مفعول معه والواو بمعنى « مع » . ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان : أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان قد أظهر المعجزات
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 129 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات