تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط ، فإن الإنسان بل كل ما سوى اللّه تعالى لم يخلق مستعدا لإدراك تفاصيل كلمات اللّه . فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه تعالى واحد في ملكه ، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد ، وأن الكل بقضائه وقدره ، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علما إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم ، والعدول عنه مراء ، والجدال فيه هراء . فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره ، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد . ومن زعم أن شيئا من الأشياء خيرا أو شرا في اعتقاده حسنا أو قبيحا بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته ، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادرا آخر أو خالقا غير اللّه تعالى ، ولا خالق إلا هو ، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
والتقدير : شهد اللّه أنه لا إله إلا هو . وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك : الدليل دل على وحدانية اللّه ، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية اللّه . وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة اللّه والملائكة وأولي العلم
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه . هو المسك ما كررته يتضوّع ثم أكد كونه منفردا بالألوهية وقائما بالعدل بقوله :
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة إلى كمال العلم . ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال ، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
جملة مستأنفة مؤكدة للأولى . والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة . سميت دينا لأنها سبب الجزاء . والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم : « سلم له الشيء » أي خلص له . والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله تعالى :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
[ الحجرات : 17 ] ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد هاهنا . وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد . أما التوحيد فإن يعلم أن اللّه تعالى لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به ، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه